محمد بن جرير الطبري

55

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

العبر ، ويعرفوا حجج الله التي احتج بها عليه فيه ؟ أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين ؟ يقول : أم جاءهم أمر ما لم يأت من قبلهم من أسلافهم ، فاستكبروا ذلك وأعرضوا ، فقد جاءت الرسل من قبلهم ، وأنزلت معهم الكتب . وقد يحتمل أن تكون أم في هذا الموضع بمعنى : بل ، فيكون تأويل الكلام : أفلم يدبروا القول ؟ بل جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين ، فتركوا لذلك التدبر وأعرضوا عنه ، إذ لم يكن فيمن سلف من آباءهم ذلك . وقد ذكر عن ابن عباس في نحو هذا القول ، ما : حدثنا القاسم ، قال : ثنا الحسين ، قال : ثني حجاج ، عن ابن جريج ، عن عكرمة ، عن ابن عباس ، في قوله : أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين قال : لعمري لقد جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين ، ولكن أو لم يأتهم ما لم يأت آباءهم الأولين . وقوله : أم لم يعرفوا رسولهم يقول تعالى ذكره : أم لم يعرف هؤلاء المكذبون محمدا ، وأنه من أهل الصدق والأمانة ، فهم له منكرون يقول : فينكروا قوله ، أو لم يعرفوه بالصدق ، ويحتجوا بأنهم لا يعرفونه . يقول جل ثناؤه : فكيف يكذبونه وهم يعرفونه فيهم بالصدق والأمانة . أم يقولون به جنة يقول : أيقولون بمحمد جنون ، فهو يتكلم بما لا معنى له ولا يفهم ولا يدري ما يقول : بل جاءهم بالحق يقول تعالى ذكره : فإن يقولوا ذلك فكذبهم في قيلهم ذلك واضح بين وذلك أن المجنون يهذي فيأتي من الكلام بما لا معنى له ، ولا يعقل ولا يفهم ، والذي جاءهم به محمد هو الحكمة التي لا أحكم منها والحق الذي لا تخفى صحته على ذي فطرة صحيحة ، فكيف يجوز أن يقال : هو كلام مجنون ؟ وقوله : وأكثرهم للحق كارهون يقول تعالى ذكره : ما بهؤلاء الكفرة أنهم لم يعرفوا محمدا بالصدق ولا أن محمدا عندهم مجنون ، بل قد علموه صادقا محقا فيما يقول وفيما يدعوهم إليه ، ولكن أكثرهم للاذعان للحق كارهون ولاتباع محمد ساخطون ، حسدا منهم له وبغيا عليه واستكبارا في الأرض . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون ) * . يقول تعالى ذكره : ولو عمل الرب تعالى ذكره بما يهوى هؤلاء المشركون وأجرى